آخر الأخبار

برنامج حماية التّراث

لطالما كان تراث الأمم ركيزة أساسية من ركائز هويتها الثقافية، وعنوان اعتزازها بذاتيتها الحضارية في تاريخها وحاضرها. ولطالما كان التراث الثقافي للأمم منبعا للإلهام ومصدرًا حيويا للإبداع المعاصر ينهل منه فنانوها وأدباؤها وشعراؤها، كما مفكروها وفلاسفتها لتأخذ الإبداعات الجديدة موقعها في خارطة التراث الثقافي، وتتحول هي ذاتها تراثا يربط حاضر الأمة بماضيها ويعزز حضورها في الساحة الثقافية العالمية. وليس التراث الثقافي معالم وصروحا وآثارًا فحسب، بل هو أيضا كل ما يؤثر عن أمة من تعبير غير مادي، من فولكلور وأغان وموسيقى شعبية وحكايات ومعارف تقليدية تتوارثها الأمة عبر أجيال وعصور، تعبيرا عن روحها ونبض حياتها وثقافتها.

  من هنا كان اهتمام المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الدول العربية بالتراث الثقافي العربي في إطار العمل العربي المشترك. فبدأت جامعة الدول العربية بعقد مؤتمرات الآثار والتراث الحضاري منذ عام 1947، فكان المؤتمر الأول بدمشق في شهر سبتمبر منه، وتأسس معهد المخطوطات العربية التابع للجامعة العربية حينذاك منذ عام 1946، أي بعد عام على تأسيس الجامعة. 
وأقر ميثاق الوحدة الثقافية العربية الذي تم التوافق العربي عليه ببغداد في 29 فبراير/شباط 1964، وبموجبه تقرر إنشاء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي تأسست عام 1970، أقرّ في مادته الخامسة عشرة، أن تتعاون الدول العربية فيما بينها على إحياء التراث العربي –الفكري والفني– والمحافظة عليه، ونشره وتيسيره للطالبين بمختلف الوسائل، وعلى ترجمة روائعه إلى اللغات الحية، وهو ما أكده دستور المنظمة العربية وتبلور في عملها الثقافي منذ إنشائها.
واليوم وبعد حوالي أربعة عقود من العمل للنهوض بالعمل الثقافي العربي المشترك وتنسيق الجهود العربية في المجال الثقافي، تواصل المنظمة العربية إيلاء التراث الثقافي العربي ما يستحق من اهتمام، يتجسّد في برامجها ومشروعاتها، بل إنها عززت عملها في مجال حفظ التراث العربي وصونه من خلال التوجه إلى تنسيق السياسات الثقافية العربية المعنية بالتراث الثقافي من خلال مؤتمرات الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، ومؤتمرات الآثار التي يتواصل انعقادها في إطار المنظمة العربية منذ إنشائها حتى اليوم.
 ويمكن أن يبوب عمل المنظمة العربية في الحفاظ على التراث في المجالات التالية:

1. في مجال السياسات الثقافية ويتمثل في ما تعرضه المنظمة على السادة الوزراء من قضايا تتعلق بالتراث الثقافي المادي منه وغير المادي، وما يصدره المؤتمر من قرارات في شأنها موجهة إلى المنظمة تقوم بتنفيذها، وإلى الدول تتابع المنظمة معها ما تقوم بتنفيذه. وقد تبلور اهتمام خاص بالتراث غير المادي منذ مؤتمر الوزراء في دورته الثالثة عشرة بعمان عام 2002 حيث دعا المؤتمر المنظمة إلى إيلاء اهتمام خاص بالمأثورات الشعبية (الفولكلور) وتعبيراتها وإعداد قاعدة بيانات متكاملة في الاتجاهات الحديثة في حمايتها فيما بين الدول العربية، والتنسيق مع المنظمات الدولية العاملة في مجال حمايتها وبالأخص الوايبو واليونسكو، لإعداد مبادرة عربية متكاملة لحماية تعبيراتها.
  أما التراث المادي فقد أولاه مؤتمر الوزراء في دورته الخامسة عشرة عام 2006 بمسقط كبير اهتمامه استنادًا إلى ما قدمته المنظمة إلى المؤتمر من وثائق في شأنه، فضلا عن اهتمام هذه الدورة بالتراث غير المادي. وتوجه اهتمام المؤتمر إلى التراث الثقافي العربي في بعده العالمي وأصدر قرارات مهمة بشأنه. بل إن المؤتمر عقد دورة استثنائية عام 2007 بالجزائر بدعوة منها تحت عنوان “حماية التراث الثقافي العربي والنهوض به”، شكلت قراراتها موجها للدول وللمنظمة في مجال العمل الثقافي العربي المشترك لصون تراثنا العربي والنهوض به.
  ومن ناحية ثانية وجهت مؤتمرات الآثار والتراث الحضاري إلى تناول السياسات المتعلقة بهذا القطاع في الدول العربية، بقرار من مؤتمر الوزراء بمسقط، للتنسيق فيما بين هذه الدول وتعزيز العمل العربي المشترك في قطاع الآثار والتراث الثقافي، فكان مؤتمر الآثار الثامن عشر بالجزائر عام 2007، وكان عنوانه “التراث الثقافي العالمي في الدول العربية”، مثالا لهذا التوجه، وكان المؤتمر التاسع عشر بالرياض عام 2009 الذي يتناول موضوعا رئيسا له “الحفريات غير المشروعة، والمتاجرة بالممتلكات الثقافية”. ولهذا المؤتمر تاريخ عريق إذ بدأ عقده منذ عام 1946 في إطار جامعة الدول العربية بعد أقل من عام من إنشائها، وانتقل إلى المنظمة العربية مباشرة بعد تأسيسها.

2. المجال الثاني هو عقد الدورات التدريبية في الآثار وإيفاد الخبراء إلى الدول التي تطلب من المنظمة خبراء في اختصاصات معينة. وقد دأبت المنظمة على عقد دورات تدريبية سنوية في موضوعات مختلفة في مجال الآثار. وكان لها في السنوات الأربع الماضية تعاون مشترك في عقد دورات تدريبية سنوية مع برنامج “آثار” الموجه إلى الدول العربية في منظمة إيكروم وهي المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية ومقرّها بروما، في إطار اتفاقية موقعة بين المنظمتين، وقد عقدت الدورة التدريبية الأخيرة المشتركة بينهما في مطلع عام 2010 بالشارقة في الإمارات العربية المتحدة.

3. والمجال الثالث هو وضع القوانين والتشريعات على المستوى القومي في مجال حماية التراث الثقافي. وقد وضعت المنظمة القانون الموحد للآثار الذي أقرّه مؤتمر وزراء الثقافة ببغداد في نوفمبر 1981 وتعمل حاليا على تحديثه ليعرض على مؤتمر الوزراء بالدوحة في أكتوبر 2010. كما عملت على جمع قوانين الآثار في الدول العربية ونشرتها في وثائق توزع على المسؤولين عن الآثار في الدول العربية، وأتاحتها على موقعها في شبكة الإنترنت لتعميم الفائدة على المختصين والمهتمين، ولتبادل الخبرات القانونية ما بين الدول العربية.
  أما في التراث غير المادي، فقد عملت المنظمة منذ سنوات على وضع مشروع “اتفاقية لحماية المأثورات الشعبية في الدول العربية” ومشروع “قانون نموذجي” بشأنها، تواصل العمل مع الدول العربية في تعديلهما ويعرضان على المؤتمر الوزاري في دورات انعقاده، ويؤمل في اعتمادهما في مؤتمر الدوحة عام 2010.

4. المجال الرابع هو النشر والتوثيق ووضع قواعد البيانات. في هذا المجال تنشر المنظمة الدراسات والأبحاث التي تكلف خبراء في موضوعات التراث بوضعها لمؤتمرات الوزراء ومؤتمرات الآثار في كتب ومجلات توزعها على أوسع نطاق. كما تنشر كتبا خاصة بالتراث الثقافي الفلسطيني وتراث مدينة القدس بصورة خاصة باللغتين العربية والإنكليزية، وتتيح عددا منها على موقعها في الإنترنت. 
وقد اعتبرت اليونسكو الكتاب الذي ترجمته المنظمة من الإنكليزية إلى العربية ونشرته في طبعة فنية أنيقة عام 2006 بعنوان قائمة مواقع التراث الثقافي والطبيعي ذات القيمة العالمية المتميزة في فلسطين عملا متميّزا يجدر الاقتداء به، وهو كتاب أعدته دائرة الآثار والتراث الثقافي بفلسطين بدعم من اليونسكو.
ويسهم ما تضعه المنظمة في موقعها في الإنترنت في إثراء المحتوى العربي العلمي الجاد على الشبكة العالمية ويهدف إلى زيادة الوعي بأهمية التراث الثقافي في حياتنا الحديثة المعاصرة.
ولدى المنظمة العربية بنك فارابي للمعلومات الذي يضم فيما يضم معطيات غنية في مجال التراث والمختصين والعاملين فيه متاحة للدول العربية للإفادة منها، خصوصا في تبادل الخبرات وتنسيق الجهود وتعزيزها.
وفي هذا المجال يندرج التعاون بين المنظمة العربية ومركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي بمصر الذي ابتدأ منذ عام 2005 بعقد المنظمة العربية اجتماع خبراء عرب حول دور التسجيل وقواعد البيانات في الحفاظ على المعارف التقليدية والفولكلور، بمقر المركز بالقاهرة، وهو مشروع مستمر عقدت في إطاره في مطلع عام 2008 ورشة العمل حول جمع الفولكلور وتوثيقه لوضع قاعدة بيانات له عقدتها المنظمة العربية بالقاهرة أيضا لمواصلة العمل على وضع مكنز المأثورات الشعبية العربية تمهيدًا لإنشاء قاعدة البيانات. كما بدأت المنظمة بعقد ورشات عمل تدريبية لمناطق جغرافية عربية محددة فكانت ورشة مخصصة لمنطقة بلاد الشام في سبتمبر 2008، وتستكمل هذا العام برنامجها في التعاون لاستكمال وضع المكنز العربي للفولكلور والمأثورات الشعبية في إطار مشروعها الكبير “صيانة التراث الثقافي المادي وغير المادي وإحياؤه”.

5. المجال الخامس هو التعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية في مجال حفظ التراث الثقافي وتنسيق العمل العربي المشترك في إطار عملها في هذا المجال. وهنا يذكر أساسا التعاون الكبير القائم بين المنظمة العربية وبين اليونسكو، وقد أشرنا إلى التعاون القائم بين المنظمة العربية ومنظمة إيكروم في مجال التدريب في الآثار.
  وللمنظمة العربية اتفاقية تعاون مع اليونسكو تبرم على أساسها المنظمتان سنويا اتفاقا بشأن برنامج عمل لتنفيذ مشروعات مشتركة، بوصف المنظمة العربية المعادل الإقليمي للمنظمة الدولية.
  ويعد التعاون بين المنظمتين العربية والدولية في مجال التراث الثقافي ذي القيمة العالمية المتميزة، من أبرز مجالات التعاون بين المنظمتين، ويتمثل في اجتماع لجنة التراث العالمي التي يعقدها سنويا مركز التراث العالمي في اليونسكو. فمنذ الاجتماع الأول للجنة الذي عقد بباريس عام 1977، تلعب المنظمة دورا أساسيا في التعاون مع الدول العربية لمساعدتها في تعزيز حضورها في اللجنة الدولية، ويذكر بالأخص تعاونها مع المملكة الأردنية الهاشمية في تسجيل مدينة القدس في قائمة التراث العالمي عام 1981.
  ومنذ عام 2000 تكثف دور المنظمة العربية في الإعداد العربي للمشاركة في اجتماعات لجنة التراث العالمي واجتماعات الدول الموقعة على اتفاقية التراث العالمي (1972). وللعام الرابع على التوالي عقدت المنظمة عام 2009 اجتماع لجنة الخبراء العرب في التراث الثقافي والطبيعي العالمي بالكويت بالتعاون مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وقد أصبحت لجنة دائمة في إطار عمل المنظمة العربية وضعت لها نظاما داخليا أقره مؤتمر وزراء الثقافة عام 2007 والمؤتمر العام للمنظمة عام 2008، وهي تتألف من ممثلي الدول العربية الأعضاء في لجنة التراث العالمي وخبراء عرب في هذا المجال، وتعنى بتعزيز الحضور العربي في لجنة التراث العالمي، والعمل على زيادة مواقع التراث الثقافي والطبيعي في الدول العربية على قائمة التراث العالمي، والنهوض بأوضاع مواقع التراث الثقافي والطبيعي في الدول العربية، وإرشاد المديريات المسؤولة عن التراث في هذه الدول بشأن ما يوصى باتخاذه من إجراءات الحماية والصون والإدارة فيها، وتنسق المواقف العربية في اجتماعات لجنة التراث العالمي للعمل على اتخاذ موقف عربي موحد من كافة القضايا المطروحة فيها. وتولي المنظمة وهذه اللجنة اهتماما خاصا بموقع “القدس: المدينة القديمة وأسوارها”، للدفاع عن هوية هذا الموقع العربي الفريد والتصدي لمحاولات إسرائيل تسجيل القدس على أنها إسرائيلية في قائمة التراث العالمي، وكذلك مخططاتها تسجيل مواقع تراثية وثقافية في فلسطين والأراضي العربية المحتلة على أنها إسرائيلية. وتعقد المنظمة الاجتماع الخامس لهذه اللجنة بالكويت في منتصف عام 2010.
  وقد كان مؤتمر الآثار الذي عقدته المنظمة في الجزائر عام 2007 مخصصا للتراث الثقافي العربي ذي القيمة العالمية المتميزة، وشارك فيه ممثلون عن مركز التراث العالمي باليونسكو بشكل فاعل بالإضافة إلى منظمة إيكروم المعنية أيضا بهذا التراث ذي البعد العالمي. وكان قد بدأ الإعداد من قبل اليونسكو للتقرير الدوري الثاني للدول العربية بشأن تنفيذ اتفاقية التراث العالمي في مؤتمر الجزائر هذا، حيث وضعت آليات العمل للإعداد لإجراء كافة الخطوات الرامية إلى وضع التقرير، ووافقت المنظمة العربية على طلب اليونسكو ترجمة الاستبيان الخاص بمتابعة أوضاع التراث الثقافي العالمي في الدول العربية، وهو كتاب يقع في حوالي المائة صفحة، ترجمته المنظمة إلى اللغة العربية وطبعته وسلمته إلى اليونسكو في سبتمبر 2008، وكانت هذه الترجمة أساسا لاجتماع اليونسكو الذي عقدته بالمنامة في ديسمبر 2008 لتمرين ممثلي الدول العربية على الإجابة عن بنود الاستبيان. وشاركت المنظمة مشاركة فاعلة في الاجتماع الأخير حول التقرير الدوري للدول العربية الذي عقدته اليونسكو بالجزائر (فبراير 2010) والذي وضع خطة عمل للسنوات القادمة بشأن الحفاظ على مواقع التراث الثقافي العالمي بالدول العربية وزيادة عددها على قائمة التراث العالمي، وسيكون للمنظمة دور بارز في الاشتراك بتنفيذها. وسيعرض هذا التقرير الدوري المهم على لجنة التراث العالمي في اجتماعها في تموز/يوليو 2010.
 من ناحية ثانية تشارك المنظمة العربية في اجتماعات الدول الموقعة على اتفاقية صون التراث غير المادي التي أقرها المؤتمر العام لليونسكو عام 2003 ودخلت حيّز النفاذ في 20/4/2006، وكذلك في اجتماعات الدول الموقعة على اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي (يونسكو 2005) التي دخلت حيّز النفاد في 18/3/2007، وتعمل على تنسيق المواقف العربية فيها. كما أسهمت من خلال دورات انعقاد مؤتمر وزراء الثقافة واجتماعات اللجنة الدائمة للثقافة العربية واجتماعات عربية نوعية أخرى في حث الدول العربية على الانضمام إلى هاتين الاتفاقيتين. كما تشارك المنظمة العربية في اجتماعات اللجنة الحكومية المختصة بالفولكلور والمعارف التقليدية التي تعقد اجتماعات سنوية في إطار المنظمة العالمية للملكية الفكرية (وايبو)، وتتحدث فيها باسم الدول العربية، وتنقل إلى المجتمعين قرارات المؤتمرات الوزارية ذات العلاقة، وجهود المنظمة والدول لتنفيذها، فضلا عن تنسيق مواقف الدول العربية في تلك الاجتماعات.
هذه المجالات الخمس التي ذكرنا حاولنا أن نختصر فيها نشاطات عديدة ومتنوعة تقوم بها إدارة الثقافة في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، في الحفاظ على التراث الثقافي في الوطن العربي. ويذكر أن معهد المخطوطات العربية التابع للمنظمة، ومقره حاليا القاهرة، يقوم بعمل متميز منذ ما يزيد عن ستة عقود من الزمن، في مجال جمع المخطوطات العربية وصيانتها ونشرها، والتدريب في مجالات حفظها.
إن المنظمة العربية تعمل فيما تعمل على تعميق حسّ الإنسان العربي بتراثه، فالأمة العربية لن تحقق نهضة ثقافية حديثة في هذا العصر ما لم تصل إلى وعي تراثها الثقافي. والتراث ليس هو الماضي الذي غاب وانقضى، إنه حي أبدا وحاضر في حياتنا المعاصرة، فلا بدّ من صونه والنهوض به حفاظا على هويتنا الثقافية، ولا بد أن يكون في ذراه المشرقة، أساسا ومنطلقا لبناء ثقافة عربية حديثة ومعاصرة، فاعلة في المشهد الثقافي العالمي. 

 

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى